اثنا عشر عامًا لم تمر علينا بل مرت فوقنا كقافلة من الجراد لم تُبقِ في العمر غصنًا أخضر ولا في الروح نافذة تطل على الغد.

لقد علقوا اليمن بين سماء لا تمطر إلا الوعود وأرض لا تنبت إلا المقابر حتى صار الوطن قنديلًا يتناوب الجميع على إطفائه ثم يتساءلون في كل موسم لماذا يزداد الظلام وكيف يكثر البؤس ولماذا يهاجر الأمل من العيون.

كلما أوشكت النار أن تخمد جاء من ينفخ في جمرها لأن دفء مصالحه لا يقوم إلا على اتقادها وكلما اقترب اليمنيون من شاطئ النجاة أعادوا دفع سفينتهم إلى قلب العاصفة ثم جلسوا على الشاطئ يتجادلون أيهم أحق بلقب المنقذ بينما كان البحر يبتلع أبناء الوطن واحدًا تلو الآخر.

سئمنا هذا المسرح الذي تتبدل فيه الوجوه ويبقى النص واحدًا تتغير فيه الرايات ولا تتغير المأساة وتتبدل الشعارات ولا يتبدل الجوع ويختلف الخطباء ولا تختلف المقابر.

لقد جعلوا الوطن رقعة شطرنج يتسابق اللاعبون إلى تحريك قطعها بينما كانت الرقعة نفسها تنزف وكانت البيادق الوحيدة التي تسقط في كل جولة هي الناس البسطاء الذين لا يملكون إلا الصبر ولا يحصدون إلا الفقر والخوف والانتظار.

ولذلك لم يعد يهمنا من يقرع طبول الحرب ولا من يجلس إلى موائد التفاوض لأن الحرب عندهم وسيلة لرفع سقف المكاسب والتفاوض وسيلة لتقاسمها أما الشعب فلم يكن يومًا شريكًا في القرار وإنما كان دائمًا البند المؤجل في كل اتفاق والفاتورة المستحقة في كل تسوية.

إن الخارج لا يوزع الأوطان صدقة ولا يهب الشعوب استقلالها ولا يبني الدول حبًا في أهلها وإنما يدير مصالحه بميزان بارد لا يعرف العاطفة ومن ظن أن وطنه سيولد من رحم الوصاية فقد أخطأ قراءة التاريخ.

ولذلك نقولها بوضوح إن أي اتفاق لا يبدأ بإنهاء معاناة الإنسان اليمني هو اتفاق مؤجل السقوط وأي خارطة طريق لا تعيد الرواتب ولا ترفع الظلم ولا توحد مؤسسات الدولة ولا ترد للمواطن كرامته ليست طريقًا إلى السلام وإنما طريق جديدة لإدارة الأزمة وإطالة عمرها.

وإن وافقت أي سلطة على حلول مؤقتة أو مجتزأة تُبقي هذا الشعب رهينة للفقر والجوع والانتظار فإنها تتحمل أمام التاريخ وأمام الله وأمام اليمنيين مسؤولية ذلك كاملة ولن يكون لها بعد اليوم عذر تتوارى خلفه فقد صبر الناس حتى جف الصبر نفسه واحتملوا من الوجع ما لو وُزِّع على الجبال لتصدعت.

لسنا نريد معجزة ولا نبحث عن بطل أسطوري نريد دولة لا مزرعة وسلطة لا غنيمة وقانونًا لا رغبة ورواتب لا صدقات وعدالة لا خطبًا ووطنًا لا يُستأجر ولا يُقسَّم ولا يُدار بالوكالة.

أما أن يبقى اليمن حبلًا تتجاذبه الأيدي حتى يتمزق ثم يطلبون منا أن نصفق لمن مزقه فذلك زمن يجب أن ينتهي لأن الشعوب قد تصبر طويلًا لكنها إذا نهضت أسقطت كل الأصنام التي صنعتها السياسة وكل الأوهام التي نسجتها المصالح وبقي الوطن وحده هو الحقيقة التي لا تموت.